كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأما أوقات الحاجة والعذر فهي ثلاثة: من الزوال إلى الغروب. ومن الغروب إلى الفجر ومن الفجر إلى طلوع الشمس. فالأول وقت الظهر والعصر عند العذر. واتسع فيها وفيهما من وجهين: أحدهما: تقديم العصر إلى وقت الظهر، كما قدمها النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة. وكما كان يقدمها في سفرة تبوك، إذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس. وتقديم العشاء إلى المغرب في المطر. فهذا جمع تقديم، والثاني جمع تأخير، العصر فيها إلى الغروب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» وأنه لم يؤخر الصلاة قط إلى الاصفرار. ويوم الخندق كان التأخير إلى بعد الغروب. وهو منسوخ في أشهر قولي العلماء بقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238]، وهذا مذهب مالك والشافعي، وأحمد في أشهر الروايتين عنه. وقيل: يخير حال القتال في التأخير والصلاة في الوقت بحسب الإمكان. وهو الرواية الأخرى عنه. وقيل: بل يؤخرها. وهو قول أبي حنيفة أيضًا. ففي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا». فوصف صلاة المنافق بالتأخير إلى حين الغروب والنقر. فدل على المنع من هذا وهذا. فلما قال صلى الله عليه وسلم هذا وهذا، علم أن الوقت وقتان. فمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك مطلقًا. وليس له أن يؤخر إلى ذلك الوقت مع إمكان الصلاة قبله. بخلاف من لا يمكنه الصلاة قبل ذلك. كالحائض إذا طهرت، والمجنون يفيق، والنائم يستيقظ، والناسي يذكر، ودل تقديم العصر يوم عرفة على أنها تفعل في موضع مع الظهر عقيب الزوال. ودل هذا الحديث على أنها يدرك وقتها بإدراك ركعة منها قبل الغروب. مع أنه بيَّن بقوله وفعله؛ أن وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، ما لم تصفر الشمس. فدل ذلك على أن هذا الوقت المختص بها، وقت مع التمكن والرفاهية. ليس لأحد أن يؤخرها عنه ولا يقدمها عليه. وقد عرف من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس؛ أنهم قالوا في الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس: تصلي الظهر والعصر. وإذا طهرت قبل طلوع الفجر، صلت المغرب والعشاء. ولم يعرف عن صحابي خلاف ذلك. وبذلك أخذ الجمهور كمالك والشافعي وأحمد. وهذا مما يدل على أنه كانت الصحابة ترى أن الليل عند العذر مشترك بين المغرب والعشاء إلى الفجر. والنصف الثاني عند العذر مشترك بين الظهر والعصر من الزوال إلى الغروب. كما دل على ذلك السنة والقرآن- يعني الآية المذكورة وأمثالها مما سقناه قبل- والذين ينازعون الجمهور في الوقت المشترك، ويقولون ليس لكل منهما إلا وقت يخصها، يقولون: الغرض إنما ثبت بالقرآن. والقرآن أوجب مطلق الذكر في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكرَ اسْمَ رَبِّه فَصَلَّى} [الأعلى: 14- 15]، فلا موجب لخصوص التكبير عندهم، بل مطلق الذكر. وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل قط إلا بتكبير. ولا أحد من خلفائه ولا أحد من أئمة المسلمين ولا آحادهم المعروفين يُعْرَفُ أنه صلى إلا بتكبير. ومع هذا فيجوزونه بمطلق الذكر. لأن القرآن مطلق في الذكر. فيقال لهم: القرآن مطلق في آناء الليل وفي غسق الليل. ومطلق في الطرف الأول وفي الطرف الثاني، فدل على جواز الصلاة في هذا وهذا لو قُدِّر أن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على التفريق، فكيف إذا ثبت عنه أنه جمع بينهما في الوقت غير مرة؟! وكذلك يقولون: قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:
77]، مطلق. فهو الفرض، والطمأنينة إنما جاء بها خبر واحد. فيفيد الوجوب دون الفرضية. وكذلك يقولون في الفاتحة: إن القرآن مطلق في إيجاب قراءة ما تيسر منه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من بعده لم يصلوا إلا بالفاتحة. ومع قوله: «لا صلاة إلا بأم القرآن». و«إن كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج». ويقولون: هذا يفيد الوجوب دون الفرضية. أو هذا خبر واحد فلا يقيد به مطلق القرآن. ومعلوم أن القرآن مطلق في الوقت المشترك أعظم من هذا، وليس معهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب فعل كل واحدة من الأربع في الوقت الخاص إلا فعله المتواتر، وقوله الذي هو من أخبار الآحاد. مع ما فيه من الإجمال، كقوله لَمَّا بيَّنَ المواقيت الخمسة: «الوقت ما بين هذين» وقوله: «ما بين هذين وقت» دلالته على وجوب الصلاة في هذا الوقت دون دلالة قوله: «لا صلاة إلا بأم الكتاب» وقوله: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج» وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة». ولهذا احتج أحمد على وجوب فعلها في الوقت عند الرفاهية بقوله صلى الله عليه وسلم: «فصلوا الصلاة لوقتها» وهو الوقت الذي بينه لهم. والأمراء لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل. ولا صلاة الليل إلى النهار. وإنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر والعصر إلى آخر النهار. ودل هذا على أن من فعل هذا لم يقاتل؛ لأنهم سألوه عن الأمراء، أنقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا» وهذه كانت صلاتهم. ودل على أن هذه الصلاة لا تجوز بحال، وتفويت يوم الخندق منسوخ. وأما الجمع بينهما في الوقت المشترك فهو ثابت في السنة في مواضع متعددة. وبعضها مما أجمع عليه المسلمون، والآثار المشهورة عن الصحابة تبين أن الوقت المشترك وقت في حال العذر. كقول عُمَر بن الخطاب: الجمع بين الصلاتين، من غير عذر، من الكبائر، فدل على أن الجمع بينهما للعذر جائز. وقال عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وأبو هريرة فيمن طهرت في آخر النهار: إنها تصلي الظهر والعصر، وفيمن طهرت آخر الليل: إنها تصلي المغرب والعشاء. وهو قول الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وأما التفويت فلا يجوز بحال، فمن جوز التفويت في بعض الصور، فقوله ضعيف، وإن جوز الجمع. وأما من أوجب التفويت ومنع الجمع، فقد جمع في قوله بين أصلين ضعيفين: بين إباحة ما حرمه الله ورسوله، وتحريمه ما شرعه الله ورسوله. فإنه قد ثبت أن الجمع خير من التفويت. فهذا الأصل ينظم كثيرًا من المواقيت. وتفويت العصر إلى حين الاصفرار. وتفويت العشاء إلى النصف الثاني أيضًا لا يجوز إلا لضرورة، والجمع بين الصلاتين خير من الصلاة في هذا الوقت، بل الصلاة بالتيمم قبل دخول وقت الضرورة خير من الصلاة بالوضوء في وقت الضرورة. وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره. وقالوا: لا يجوز تأخيرها إلى الاصفرار. بل إذا لم يجد الماء إلا فيه، فإنه يصلي بالتيمم قبل الاصفرار، ولا يصليها حين الاصفرار بالوضوء. انتهى كلامه عليه الرحمة.
وقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} أمرٌ له بصلاة الليل، إثر أمره بالصلوات الخمس وفي: {مِنْ} وجهان: أحدهما: أنها متعلقة بـ {تهجد} أي: تهجد بالقرآن بعض الليل. والثاني: أنها متعلقة بمحذوف عطف عليه {فتهجد} أي: قم من الليل، أي: في بعضه فتهجد بالقرآن. والتهجد ترك الهجود وهو النوم، وتفعل يأتي للسلب: كتأثم وتحرج بمعنى ترك الإثم والحرج. قال الأزهري: المعروف في كلام العرب أن الهاجد النائم. وأما المتهجد فهو القائم إلى الصلاة من النوم. وكأنه قيل له: متهجد لإلقائه الهجود عن نفسه، كما يقال للعابد متحنث لإلقائه الحنث عن نفسه. انتهى.
ونقل عن ابن فارس: أن معناه: صلِّ ليلًا. وكذا عن ابن الأعرابي قال: هجد الرجل وتهجد، إذا صلى بالليل. والمعروف الأول. والضمير في {به} للقرآن من حيث هو، لا بقيد إضافته إلى الفجر، أو للبعض المفهوم من {من} والباء بمعنى في أي: تهجد في ذلك البعض. وقوله تعالى: {نَافِلَةً لَّكَ} أي: عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس.
قال الزمخشري: وضع {نافلة} موضع تهجدًا لأن التهجد عبادة زائدة. فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد. والمعنى: أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة، فريضة عليك خاصة دون غيرك؛ لأنه تطوع لهم. انتهى.
قال أبو السعود: ولعله هو الوجه في تأخير ذكرها عن ذكر صلاة الفجر، مع تقدم وقتها على وقتها.
وقوله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} أي: يحمده القائم فيه وكل من رآه وعرفه. وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. والمشهور أنه مقام الشفاعة العظمى؛ للفصل بين الخلائق الذي يحمده فيه الأولون والآخرون. كما وردت به الأخبار الصحيحة. ومعنى النظم الكريم على هذا: كما انبعثت من النوم الذي هو الموت الأصغر، بالصلاة والعبادة، فسيبعثك ربك من بعد الموت الأكبر، مقامًا محمودًا عندك وعند جميع الناس. وفيه تهوين لمشقة قيام الليل. أشار له أبو السعود.
تنبيه:
قال ابن جرير: ذهب آخرون إلى أن ذلك المقام المحمود، الذي وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبعثه إياه، هو أن يجلسه معه على عرشه. رواه ليث عن مجاهد. وقد شنع الواحدي على القائل به، مع أنه رواه عن ابن مسعود أيضًا. وعبارته- على ما نقلها الرازي-: وهذا قول رذل موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه:
الأول: أن البعث ضد الإجلاس، يقال: بعثت النازل والقاعد فانبعث، ويقال: بعث الله الميت، أي: أقامه من قبره. فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد.
الثاني: أنه تعالى قال: {مَقَامًا مَّحْمُودًا} ولم يقل مقعدًا. والمقام موضع القيام لا موضع القعود.
الثالث: لو كان تعالى جالسًا على العرش، بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة والسلام لكان محدودًا متناهيًا. ومن كان كذلك فهو محدَث.
الرابع: يقال: إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز؛ لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة: إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين، لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بها مزيد شرف ورتبة.
الخامس: أنه إذا قيل: السلطان بعث فلانًا، فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم. ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه. فثبت أن هذا القول كلام رذل سقط، لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين. انتهى كلام الواحدي.
وليته اطلع على ما كتبه ابن جرير حتى يمسك من جماح يراعه، ويبصر الأدب مع السلف مع المخارج العلمية لهم. وهاك ما قاله ابن جرير رحمه الله بعد ما نقل عن مجاهد قوله المتقدم: وأولى القولين بالصواب، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مقام الشفاعة- ثم قال-: وهذا وإن كان هو الصحيح في القول، في تأويل المقام المحمود، لما ذكرنا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين. فإن ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدًا صلى الله عليه وسلم على عرشه، قوله غير مدفوع صحته. لا من جهة خبر ولا نظر. وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين، بإحالة ذلك. فأما من جهة النظر فإن جميع من ينتحل الإسلام، إنما اختلفوا في معنى ذلك على أوجه ثلاثة: فقالت فرقة منهم: الله عز وجل بائن من خلقه، كان قبل خلقه الأشياء، ثم خلق الأشياء فلم يماسها، وهو كما لم يزل، غير أن الأشياء التي خلقها، إذا لم يكن هو لها مماسًا، وجب أن يكون لها مباينًا؛ إذ لا فعَّال للأشياء إلا وهو مماس للأجسام أو مباين لها. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله عز وجل فاعل الأشياء، ولم يجز في قولهم إنه يوصف بأنه مماس للأشياء، وجب بزعمهم أنه لها مباين. فعلى مذهب هؤلاء سواء أقعد محمدًا صلى الله عليه وسلم على عرشه أو على الأرض إذ كان من قولهم: إن بينونته من عرشه وبينونته من أرضه بمعنى واحد، في أنه بائن منهما كليهما غير مماس لواحد منهما وقالت فرقة أخرى: كان الله تعالى ذكره قبل خلقه الأشياء لا شيء يماسه ولا شيء يباينه، ثم خلق الأشياء فأقامها بقدرته، وهو كما لم يزل قبل خلقه الأشياء، لا شيء يماسه ولا شيء يباينه. فعلى قول هؤلاء أيضًا: سواء أقْعَدَ محمدًا صلى الله عليه وسلم على عرشه أو على أرضه إذ كان سواء على قولهم: عرشه وأرضه، في أنه لا مماس ولا مباين لهذا، كما أنه لا مماس ولا مباين لهذه.
وقالت فرقة أخرى: كان الله عز ذكره قبل خلقه الأشياء لا شيء يماسه ولا شيء يباينه، ثم أحدث الأشياء وخلقها، فخلق لنفسه عرشًا استوى عليه جالسًا وصار له مماسًا، كما أنه قد كان قبل خلقه الأشياء لا شيء يرزقه رزقًا ولا شيء يحرمه ذلك. ثم خلق الأشياء فرزق هذا وحرم هذا وأعطى هذا ومنع هذا. قالوا: فكذلك كان قبل خلقه الأشياء، لا شيء يماسه ولا يباينهُ. وخلق الأشياء فماس العرش بجلوسه عليه دون سائر خلقه، فهو مماس ما شاء من خلقه ومباين ما شاء منه. فعلى مذهب هؤلاء أيضًا سواء أقعد محمدًا على عرشه أو أقعده على منبر من نور، إذ كان من قولهم: أن جلوس الرب على عرشه ليس بجلوس يشغل جميع العرش، ولا في إقعاد محمد صلى الله عليه وسلم موجبًا له صفة الربوبية، ولا مخرجه من صفة العبودية لربه. كما أن مباينة محمد صلى الله عليه وسلم ما كان مباينًا له من الأشياء، غير موجبة له صفة الربوبية ولا مخرجته من صفة العبودية لربه. من أجل أنه موصوف بأنه مباين له، كما أن الله عز وجل موصوف- على قول قائل هذه المقالة بأنه مباين لها. هو مباين له. قالوا: فإذا كان معنى مباين ومباين لا يوجب لمحمد صلى الله عليه وسلم الخروج من صفة العبودية، والدخول في معنى الربوبية فكذلك لا يوجب له ذلك قعوده على عرش الرحمن. فقد تبين إذًا بما قلنا أنه غير محال في قول أحد ممن ينتحل الإسلام ما قاله مجاهد، من أن الله تبارك وتعالى يقعد محمدًا على عرشه، فإن قال قائل: فإنا لا ننكر إقعاد الله محمدًا على عرشه، وإنما ننكر إقعاده معه. حدثني عباس بن عبد العظيم قال: حدثنا يحيى بن كثير عن الجريري، عن سيف السدوسي عن عبد الله بن سلام قال: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، على كرسي الرب، بين يدي الرب تبارك وتعالى. وإنما ينكر إقعاده إياه معه. قيل: أفجائز عندك أن يقعده عليه لا معه؟ فإن أجاز ذلك صار إلى الإقرار بأنه إما معه أو إلى أنه يقعده، والله للعرش مباين، أو لا مماسٌّ ولا مباين، وبأي ذلك قال، كان منه دخولًا في بعض ما كان ينكره. وإن قال: ذلك غير جائز منه، خروجًا من قول جميع الفرق التي حكينا قولهم، وذلك فراق لقول جميع من ينتحل الإسلام؛ إذ كان لا قول في ذلك إلا الأقوال الثلاثة التي حكيناها. وغير محال في قول منها ما قال مجاهد في ذلك. انتهى كلام ابن جرير رحمه الله.